المقريزي

120

المقفى الكبير

ولم يعطه شيئا . وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجّاج يأمره بقتل أسلم بن عبد البكريّ لشيء بلغه عنه . فأحضره الحجّاج فقال : أمير المؤمنين غائب وأنت حاضر ، واللّه تعالى يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [ الحجرات : 6 ] . والذي بلغه عنّي باطل ، فاكتب إليه أنّي أعول أربعا وعشرين امرأة ، وهنّ بالباب . فأحضرهنّ الحجّاج ، فقال : هذه أمّه ، وهذه عمّته ، وهذه زوجته وهؤلاء بناته حتى كانت في آخرهنّ جارية قاربت عشر سنين ، [ ف ] قال لها الحجّاج : من أنت ؟ قالت : ابنته ، أصلح اللّه الأمير ! ثمّ أنشأت تقول [ الطويل ] : أحجّاج لو تشهد مقام بناته * وعمّاته يندبنه الليل أجمعا أحجّاج كم يقتل به أن قتلته * ثمانا وعشرا واثنين وأربعا أحجّاج من هذا يقوم مقامه * علينا ، فمهلا إن تزدنا تضعضعا أحجّاج إمّا أن تجود بنعمة * علينا وإمّا أن تقتّلنا معا فبكى الحجّاج وقال : « واللّه لا أعنت الدهر عليكنّ ولا زدتكنّ تضعضعا ! » ، وكتب إلى عبد الملك بخبر الرجل والجارية ، فكتب إليه : « إن كان الأمر كما ذكرت فأحسن صلته ، ونفّل الجارية » ، ففعل . [ معايبه ] وقال أبو بكر بن عيّاش عن عاصم ، قال : سمعت الحجّاج بن يوسف يقول : وقد يلي هذه الأمة [ . . . ] ، فاتّقوا اللّه واسمعوا وأطيعوا ! هي لعبد الملك أمين اللّه وخليفته ، ليس فيها مثنويّة . واللّه لو أمرت رجلا أن يخرج من باب المسجد فخرج من غيره لحلّ لي دمه . واللّه لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي حلالا . يا عجبي لعبد هذيل يزعم أنّه يقرأ قرآنا من عند اللّه ! واللّه ما هو إلّا رجز من رجز الأعراب . واللّه لو أدركت عبد هذيل لضربت عنقه - يعني عبد اللّه بن مسعود - يا عجبا لهذه الحمراء - يعني الموالي - إنّ أحدا ليأخذ الحجر فيرمي به يقول : لا يقع هذا حتى يكون خير . قال أبو بكر بن عيّاش : فحدّثت بهذا الحديث الأعمش ، فقال : وأنا قد سمعته يقول ذلك . فقلت في نفسي : لأقرأنّ بها رغم أنفك . وقال الأوزاعي : قال عمر بن عبد العزيز : لو جاءت كلّ أمّة بخبيثها وجئنا بالحجّاج لغلبناهم ! وقال منصور : سألنا إبراهيم النخعيّ عن الحجّاج ، فقال : ألم يقل اللّه تعالى : أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ؟ [ هود : 18 ] . وقال الشافعيّ : بلغني أنّ عبد الملك بن مروان قال للحجّاج : ما أحد إلّا وهو عارف بعيوب نفسه ، فعب نفسك ولا تخبأ منها شيئا ! قال : يا أمير المؤمنين ، أنا لجوج حقود حسود محبّ لسفك الدماء . فقال عبد الملك : إذن ، بينك وبين إبليس نسب ؟ فقال : إنّ الشيطان إذا رآني سالمني . وفي رواية : قال عبد الملك للحجّاج : صف لي عيبك ! فقال : أنا حسود حقود لجوج ذو قسوة . فقال : ما في إبليس شرّ من هذا !